ترتيب قلقيلية الغد في رتب

قلقيلية الغد

       

الرئيسية

من نحن ؟؟

أخبار قلقيلية

اتصل بنا


 مشاريع تخرج لطلبة جامعة القدس المفتوحة / محافظة قلقيلية



مقدمة


إن عصر ما قبل الإسلام أو العصر الجاهلي فيه من الغرابة والدهشة ما يستثير الباحث , ويدفعه إلى دراسة هذا العصر لتعرف طبيعته المتناقضة . فهو عصر تميز ببلاغة أهله وفصاحتهم , وفهمهم لأمور حياتهم ودنياهم , في مقابل جهلهم بأمور دينهم . وهو عصر عاش أهله التحضر والبداوة , وعرفوا العبودية والسيادة . و انتشرت فيه بعض العادات السيئة التي غطت وطغت عليها كثير من القيم , و مكارم الأخلاق التي كانت لهذا العصر نبراساً مضيئاً عبر التاريخ .
وفي ظل هذه المتناقضات ارتأت الباحثة أن يكون بحثها عن طبيعة هذا العصر , وأن تركز في بحثها على جانب محدد منه . فاختارت أن يكون موضوع البحث منظومة القيم في عصر ما قبل الإسلام لأنه كما يقول الشاعر :
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا
فالقيم والأخلاق النبيلة هي سر بقاء الأمم لأن الإنسان بطبيعته مفطور على حب الخير , نافر من الشر ومن أهله وأصحابه .
وقد برز في هذا العصر أشخاص خلدتهم قيمهم , وأخلاقهم الكريمة , وجعلتهم رمزاً من رموز التاريخ العظيمة . وأكثرهم شهرة عنترة بن شداد الذي سمعنا به منذ صغرنا وما زلنا نردد اسمه . ولأن الشعر مرآة صادقة لحياة العرب , وسجل لأخلاقهم ومآثرهم فقد اختارت الباحثة معلقة عنترة من بين شعره لكي تلقي الضوء من خلالها على صورة هذا البطل المغوار , والفارس الشجاع الذي استطاع بقيمه وكرم أخلاقه , وبيض خصاله أن يغطي على سواد لونه , وأن يجعل والده يعترف به بعد أن كان يستعبده لأنه ابن أمة .
هذه القيم التي ترفع الإنسان , وتعلي شأنه أرادت الباحثة أن تتحدث عنها في بحثها فوضعت خطة وجعلتها في فصلين :

الفصل الأول : منظومة القيم في عصر ما قبل الإسلام ويتضمن ( تعرّف بدايات هذا العصر ومواصفاته , وسبب تسميته , وأبرز القيم والعادات السائدة فيه ) .
الفصل الثاني :وتحدثت فيه الباحثة عن عنترة بن شداد ويتضمن ( حياته وشعره , وأبرز القيم التي وردت في معلقته , والخصائص الفنية العامة في المعلقة ) .
وقد استعانت الباحثة بمجموعة من المصادر والمراجع التي كان من أهمها : تاريخ الأدب العربي وديوان عنترة .
وفي النهاية فإن الباحثة لا تنسى أبداً جهود الدكتور الفاضل زاهر حنني الذي أشرف على هذا البحث منذ اختيار عنوانه حتى تم إنجازه .
 

 الفصل الأول : منظومة القيم في عصر ما قبل الإسلام
أولاً : العصر الجاهلي بداياته ومواصفاته
ثانياً : تسميته
ثالثاً : أبرز القيم والعادات التي سادت في عصر ما قبل الإسلام




الفصل الثاني : عــنـتـرة بـن شــداد
أولاً : حـيـاتـه وشــعـره
ثانياً : أبـرز الـقـيــم الـعـربيــة الـتي وردت في مـعـلـقـتـه
ثالثاً : الخـصـائـص الـفـنـيــة الـعـامـة في الـمـعـلـقــة

 


الفصل الأول
منظومة القيم في عصر ما قبل الإسلام



أولاً : العصر الجاهلي : بداياته ومواصفاته .

قد يتبادر إلى الأذهان بأن الحقب والفترات الزمنية التي شهدها سكان الجزيرة العربية قبل الإسلام تشكل ما يسمى بالعصر الجاهلي .
إلا أن معرفة بداية أي عصر ونهايته لا تكون بطريق التخمين والعشوائية ، بل تتم بالرجوع إلى آراء المؤرخين والأدباء الذين يستندون في تأريخهم إلى الأدلة والحقائق الأدبية والمصادر التاريخية والأثرية التي تعود لذلك العصر .

" ومصادر تاريخ الجاهلية كثيرة ومتنوعة ، ولكنها تنحصر في ثلاثة أنواع :
" المصادر الأثرية : وتتضمن النقوش الكتابية والآثار المعمارية .
" المصادر العربية المكتوبة : وأهمها القرآن الكريم ، والحديث ، وكتب التفسير
وكتب السير والمغازي وكتب التاريخ والجغرافية ، والشعر الجاهلي .
" المصادر غير العربية : وتشتمل على التوراة والتلمود ، والكتب العبرانية ، وكتب التاريخ اليونانية واللاتينية والسريانية والمصادر المسيحية ." (1)

ومن بين هذه المصادر نختار الشعر الجاهلي ونتحدث عنه : " إذ يعتبر الشعر العربي في الجاهلية من المصادر المهمة لتاريخ العرب وحضارتهم في ذلك العصر. والشعر الجاهلي ديوان العرب أو ديوان علمهم ومنتهى حكمهم ، لأنه سجل لأخلاقهم وعاداتهم ودياناتهم وعقليتهم ، به حفظت الأنساب وعرفت المآثر ، وفيه ذكر لأيام العرب ووقائعهم وهو لذلك السبب مرآة تنعكس عليها صورة حياتهم في السلم وفي الحرب ." (2)

(1) د . سالم . السيد عبد العزيز : تاريخ العرب في عصر الجاهلية , دار النهضة العربية , بيروت , لبنان , 1971 , ص14
(2) م . س : ص40
ويقول الزوزني :" أن الذين أر?خوا للشعر العربي قبل الإسلام أمثال ابن سلا?م والجاحظ وغيرهما رجعوا بالشعر إلى ما قبل الإسلام بقرن ونصف أو ربع قرن تقريباً ." (1)

ويقول الجاحظ في كتابه (الحيوان) : " أما الشعر فحديث الميلاد , صغير السن أول من نهج سبيله , وسهل الطريق إليه , امرؤ القيس بن حجر , ومهلهل بن ربيعة , فإذا استظهرنا الشعر وجدنا له إلى أن جاء الله بالإسلام خمسين ومئة عام , وإذا استظهرنا بغاية الاستظهار فمئتي عام ." (2)

كما أن بعض شعراء العصر الذي سبق الإسلام كامرئ القيس , وعنترة مثلاً ذكرا أن هناك شعراء سبقوهما فقال عنترة (3) :
هل غادر الشعراء من متردم أم هل عرفت الدار بعد توهم

وقال امرؤ القيس (4) :

عوجا على الطلل المحيل لعلنا نبكي الديار كما بكى ابن خزام

ومن خلال ما قاله امرؤ القيس وعنترة يتبين لنا بأنه لا بد أن يكون هناك شعراء كانت لهم محاولات شعرية ضاعت ولم يكتب لها البقاء عبر الزمن , وأن هذه المحاولات كانت تمهيداً وبدايةً لما وصل إلينا من شعر مستقيم في أوزانه ومعانيه . فالشعر كالغرس إذا اعتُنِيَ به أثمر وكتب له الاستمرار وإذا لم يهتم به مات واندثر .



(1) الزوزني . أبو عبد الله الحسين : شرح المعلقات السبع , دار مكتبة الحياة , بيروت , لبنان , ص12
(2) الجاحظ . أبو عثمان عمرو بن بحر : تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون , مج/1 , دار الكتاب العربي , بيروت , لبنان , 1388-1969 , ط/3 , ص74
(3) الزوزني : شرح المعلقات السبع , ص5
(4) م . س : ص5



"إلاّ أن الزوزني يرجع الاختلاف والاضطراب في التأريخ لأولية الشعر العربي إلى التقسيم الجغرافي الذي جعل من الجزيرة العربية أقساماً مستقلة بعضها عن بعض ." (1)
"حيث كان العرب قسمين : حضراً و بدواً ؛ أما الحضر فهم سكان الجنوب ولهم حضارة واسعة , ومن أشهر ممالكهم حمير وتبع وكندة فضلاً عن المناذرة والغساسنة . وأما البدو فهم القسم الأكبر وقد انتشروا في شمالي الجزيرة لا يخضعون لنظام غير نظام القبيلة وكان لكل قبيلة رئيس هو شيخها والسيد فيها , وهو عصبها ورباط وحدتها , والحكم في شؤونها , وأفراد القبيلة متضامنون ينصرون أخاهم ظالماً كان أو مظلوماً ." (2)

"ولعل أهم ما يميز حياة العرب في الجاهلية أنها كانت حياة حربية تقوم على سفك الدماء حتى لكأنه أصبح سنة من سننهم فهم دائماً قاتلون مقتولون لا يفرغون من دم إلا? إلى دم"(3)
إن هذه الحياة الحربية التي غلبت عليهم إنما كان سببها طبيعة الصحراء القاسية لأن أكثر العرب كانوا من البدو مساكنهم الخيام , وكانوا كثيري التنقل والحركة , وإنهم كانوا يخوضون هذه الحروب للحصول على الكلأ والماء , والدفاع عن المرعى , وكأنها كانت بشكل أو بآخر مصدراً من مصادر رزقهم . وعلى الرغم من مساوئ هذه الحروب التي يمكن أن تدوم سنوات طويلة إلاّ أنها زرعت فيهم الشجاعة والفروسية وغيرها من الصفات الجميلة.
"وكانوا يسمون حروبهم ووقائعهم أياماً , لأنهم كانوا يتحاربون نهاراً , فإذا جاء الليل وقفوا القتال حتى يخرج الصباح . وتسمى هذه الأيام والحروب غالباً بأسماء البقاع والآبار التي نشبت بجانبها مثل يوم عَين أباغ وكان بين المناذرة والغساسنة , وقد تسمى بأسماء ما أحدث اشتعالها مثل حرب البسوس , وحرب داحس والغبراء ." (4)


(1) الزوزني : شرح المعلقات السبع , ص12
(2) الفاخوري . حنا : تاريخ الأدب العربي , دار الجيل , بيروت , ط /3 , د.ت , ص12- 15
(3) ضيف . شوقي : العصر الجاهلي , دار المعارف بمصر , ط/7 , ص62
(4) م . س : ص64-65

وكانت تنضم إلى كل عشيرة عشائر قبيلتها , وقد تنضم أحلافها فتنتشر نيران الحرب بين قبائل كثيرة , وقد صور ذلك شاعر الحماسة إذ يقول (1):
الشيء يبدؤه في الأصل أصغره وليس يصلى بكل الحرب جانيها
والحرب يلحق فيها الكارهون كما تدنو الصحاح إلى الجربى فتعديها
فقد كان الأخذ بالثأر سائداً في جميع القبائل يخضع له جميع أفراد القبيلة , وقد كانوا يولونه الأهمية الأولى في حياتهم .

أمّا بالنسبة لمعيشة العرب في ذلك العصر فقد تعددت وتنوعت وذلك بحسب المكان الذي يعيشون ويقيمون فيه .
حيث يقول شوقي ضيف :" لم يكن العرب يعيشون في الجاهلية معيشة واحدة . فقد عرفت الزراعة في الجنوب والشرق وواحات الحجاز مثل يثرب وخيبر والطائف ووادي القرى . وعاش أهل مكة على التجارة , إذ كانوا يحملون عروضها وسلعها بين حوضي المحيط الهندي والبحر الأبيض . ووراء هذا المجتمع المكي كان يعيش البدو في تهامة ونجد وصحراء النفوذ وبوادي الشام والدهناء معيشة بدوية تعتمد على رعي الأغنام والأنعام ." (2)

" وكان للعرب في جاهليتهم كما كان لغيرهم من الأمم مواسم عامة يؤمها أصحاب المصالح من جميع القبائل ويسمونها أسواقاً , وكان من أعظمها سوق عكاظ ." (3)
"وعكاظ كانت أشبه بمؤتمر للعرب , فيه يجتمعون وينظرون في خصوماتهم ومنازعاتهم وكل ما يتصل بهم من شؤون ." (4)



(1) ضيف : العصر الجاهلي , ص63
(2) م . س : ص76-77
(3) الزوزني : شرح المعلقات السبع , ص9
(4) ضيف : العصر الجاهلي , ص4


"ولم يكن للعرب من المعارف إلا? الضروري لطرق عيشهم وأساليب حياتهم كالطب والفراسة (1) والعيافة (2) والعرافة (3) . وأما دياناتهم فكثيرة منها اليهودية والنصرانية والوثنية وهي أكثر شيوعاً , يعبدون فيها الأصنام ويجلون فوقها إلهاً هو خالق العالم ." (4)

"أما بالنسبة للمرأة ومكانتها في العصر الجاهلي :" فقد جسدت المرأة دوراً مهماً في الحياة الاجتماعية في العصر الجاهلي , في السلم والحرب , وحظيت بمكانة كبيرة في المجتمع العربي بحيث لم يجد بعض الملوك بأساً من الانتساب إلى أمهاتهم مثل المنذر بن ماء السماء ملك الحيرة وماء السماء لقب أمه مارية بنت عوف لقبت به لجمالها . وهذا القتال الكلابي يفتخر بأمه الحرة عمرة بنت حرقة فيقول :
لقد ولدتني حرة ربعية من اللاء لم يحضرن في القيظ دندنا " (5)
إلا? أن هناك نوعين من النساء في المجتمع الجاهلي كما يقول شوقي ضيف :" إماء وحرات : أما الإماء كان منهن جوار يخدمن الشريفات , وقد يرعين الإبل والأغنام وكن في منزلة دانية , وكان العرب إذا استولدوهن لم ينسبوا إلى أنفسهم أولادهن , إلا? إذا أظهروا بطولة تشرفهم على نحو ما هو معروف عن عنترة بن شداد . وكانت الحرة تقوم بطهي الطعام ونسج الثياب وإصلاح الخباء , إلا? إذا كانت من الشريفات المخدومات فإنه كان من يقوم لها على هذه الأعمال بعض الجواري ." (6)

إذن هذا هو العصر الجاهلي أو عصر ما قبل الإسلام هو عصر كامل متكامل زاخر بكل ما فيه , لكل إنسان فيه دوره , فالرجل له دوره كما أن للمرأة دورها وكل هذا ضمن إطار ونظام قبلي يخضع له الجميع .

(1) الفراسة : الاستدلال بالظاهر على الخفي كالاستدلال بشكل الإنسان ولونه وحركاته على خلقه
(2) العيافة : زجر الطير وهو أن تعتبر بأسمائها وأصواتها فيسعد أو يتشاءم بها .
(3) العرافة : مطالعة الغيب والأخبار بالحوادث الماضية والآتية.
(4) الفاخوري : تاريخ الأدب العربي , ص12
(5) د. سالم : تاريخ العرب في عصر الجاهلية , ص452
(6) ضيف : العصر الجاهلي , ص72
ثانياً : العصر الجاهلي : تسميته .
"ذهب المؤرخون مذاهب مختلفة في سبب إطلاق القرآن اسم الجاهلية على أحوال العرب قبل الإسلام فقد قيل سميت كذلك لتفشي الوثنية والجهل في العرب , وقيل به لانتشار العدوان وسفك الدماء ." (1)
والجاهلية كما وردت في المعجم الوسيط :" ما كان عليه العرب قبل الإسلام من الجهالة والضلالة ." (2)
ويقول ضيف :" أن الجاهلية التي أطلقت على هذا العصر ليست مشتقة من الجهل الذي هو ضد العلم ونقيضه , إنما هي مشتقة من الجهل بمعنى السفه والغضب والنزق , فهي تقابل كلمة الإسلام التي تدل على الخضوع والطاعة لله عز وجل وما يطوى من سلوك خلقي كريم ." (3)
وقد ورد في الشعر العربي قول عمرو بن كلثوم (4) :
ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا
وقد وردت كلمة الجاهلية في القرآن الكريم في عدة سور (5) : حيث يقول الله- تعالى- في كتابه العزيز : ( يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية ) آية (154) سورة ( آل عمران ).
وقال- تعالى- : ( وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى ) آية (33) سورة (الأحزاب ) . وقوله- تعالى- : ( أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ) آية (50) سورة ( المائدة ). وقوله- عز وجل- : ( إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية ) آية (26) سورة (الفتح ) .

(1) الفاخوري : تاريخ الأدب العربي , ص52
(2) د. أنيس : إبراهيم وزملاؤه , المعجم الوسيط , الجزء الأول , ط / 2
(3) ضيف : العصر الجاهلي , ص39
(4) الزوزني : شرح المعلقات السبع , ص213
(5) عبد الباقي : محمد فؤاد , المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم , بحاشية المصحف الشريف
دار الحديث القاهرة , 1408ه - 1988م , ط / 2
يتضح من هذه النصوص أن كلمة الجاهلية التي تطلق على هذا العصر إنما تدل على الوثنية والضلالة والسفه والعصبية . ونحن نتساءل : لماذا نصف العصر كله بالجهل إذا كان فيه نقيض ذلك , فهو عصر نشأ فيه الشعر العربي بصورته المتكاملة , وتكامل فيه نشوء الخط العربي , وبرزت فيه كثير من القيم الايجابية التي أشاد بها الإسلام وشجعها كالفروسية والكرم والوفاء بالعهد والحفاظ على العرض والشرف وغيرها . إذن فهذا عصر فيه الحسن وفيه القبيح وإطلاق كلمة الجاهلي على هذا العصر يخفي ما فيه من نواحٍ ايجابية ويظهر فقط النواحي السلبية , ويصف حياة هذا العصر بأنها جاهلية في العموم . وترى الباحثة أن ما أطلقه بعض المؤرخين والأدباء على هذا العصر من تسميته بعصر ما قبل الإسلام يجعل صورته واضحة بشكل أكبر بحيث أنه عصر كامل متكامل بكل ما فيه من خير وشر . لا سيما وأن لفظة (الجاهلية) التي ورد ذكرها في القرآن بحق هذا العصر إنما هي مرتبطة بالواقع الديني فهو جهل بالدين وليس بالحياة .



ثالثاً : أبرز القيم والعادات التي سادت في عصر ما قبل الإسلام .

لكل عصر من العصور ولكل مجتمع من المجتمعات نظام من القيم والمبادئ والعادات والتقاليد يخضع له أبناؤه ويتوارثونه جيلاً بعد جيل . والقيم والعادات التي برزت في عصر ما قبل الإسلام منها ما هو جيد فشجعه الإسلام وأقره وعد?ل بعضه , ومنها ما هو سيء أبطله الإسلام ونهى عنه .

ومن مكارم الأخلاق في عصر ما قبل الإسلام :
الشجاعة : حيث اتصف العرب بالشجاعة والإقدام وعدم الخوف من الموت . حيث أنهم كانوا يخوضون الحروب دفاعاً عن المرعى ودفاعاً عن العرض وحماية للقبيلة . وكان البدو أكثر شجاعة من أهل المدن ولعل السبب في ذلك قسوة الحياة التي كان يعيشها البدوي في حين أن أهل المدن اعتادوا الراحة وانغمسوا في الترف والنعيم . وممن اشتهروا بالشجاعة عنترة العبسي حيث يقول (1) :
ولقد شفى نفسي وأذهب سُقْمها قيل الفوارس ويك عنتر أقدمِ
العفة : إذا كان قد وجد من العرب في الجاهلية من انغمس في الملذات وتغزل في النساء غزلاً بعيداً عن البراءة , فقد كان من العرب من اتصف بالعفة , وغض النظر عن نساء غيره . فهذه الخنساء ترثي أخاها صخر وتنوه بعفته وغضه الطرف عن النساء حيث تقول (2) :
لم تره جارة يمشي بساحتها لريبة حين يختلي بيته الجار
الرفادة في الحج : " كانت خرجاً تخرجه قريش في كل موسم من أموالها إلى قصي , فيصنع به طعاماً للحاج فيأكله من لم يكن له سعة ولا زاد . وقيل : أول من أقام الرفادة عبد المطلب , وهو الذي حفر بئر زمزم , وكانت مطمومة ." (3)

(1) الزوزني : شرح المعلقات السبع , ص256
(2) سالم : تاريخ العرب في عصر الجاهلية , ص444
(3) الأبشيهي : بهاء الدين أبي الفتح محمد بن أحمد , المستطرف في كل فن مستظرف , تحقيق إبراهيم صالح , دار صادر , بيروت , مج /2 , ط /1 , 1999 , ص379
الوفاء :" عُرف العرب بالوفاء بالعهود , وبكراهية النكث والغدر , وضربوا المثل في الوفاء بالسموأل الذي أبى أن يسلم الحارث بن أبي شمر الغساني دروع امرئ القيس التي أودعها عنده , وتحصن في قصره بتيماء , فهدده الحارث بقتل ابن له , فلم يزد ذلك السموأل إلا? إصرارا , فضرب الحارث وسط الغلام بالسيف وفي ذلك يقول السموأل :
وفيت بذمة الكندي إني إذا ما ذم أقوام وفيت
وكذلك ضرب المثل بوفاء حنظلة بن عفراء , إذ حكم عليه المنذر بن ماء السماء بالموت , لأنه مر? بالحيرة في بعض أيام بؤسه , فتكفل به شريك بن عمر ولمدة سنة إذا لم يعد بعدها قتل مكانه , ولما انتهى الأجل المحدد , وأعد كل شيء لقتل شريك , أقبل حنظلة من بعيد ومعه نادبته , فتعجب المنذر من وفائه , فأطلق سراحه وعفا عنه ." (1)
الكرم : اشتهر العرب في الجاهلية بالجود والكرم وكانوا يتباهون بكثرة الأضياف وكان ممن اشتهر بالجود والكرم حاتم الطائي وكان يعتز بأنه عبد للضيف إذ يقول (2):
وإني لعبد الضيف ما دام ثاوياً وما في? إلا? تلك من شيمة العبد
كما أنهم كانوا يوقدون النار ليلاً لجلب الأضياف واجتذابهم . وهناك شعر لحاتم يعد غلامه بعتقه إذا جلب ضيفاً حيث يقول (3) :
أقد فإن الليل ليل قمر والريح يا واقد ريح صر
عل? يرى نارك من يمر إن جلبت ضيفاً فأنت حر


(1) سالم : تاريخ العرب في عصر الجاهلية , ص444
(2) م . س : ص442
(3) م . س . ص442

ومن أبرز العادات السيئة في عصر ما قبل الإسلام :

شرب الخمر ولعب القمار وعبادة الأوثان : حيث نهى عنها الإسلام وأبطلها ودعا إلى التخلي عنها حيث يقول الله- تعالى- في كتابه العزيز : ( إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون ) * آية (90) سورة (المائدة) .
وأد البنات : أي دفنهن أحياء , حيث يحفر الأب حفرة ويضع فيها ابنته وهي حية ثم يواريها بالتراب . فقد كانوا في الجاهلية إذا بشر أحدهم بالأنثى اسود? وجهه وأصابه الغم والهم , وكانوا يقومون بوأد البنات خشية الفقر والعار . وقد نهى الإسلام عن ذلك فقال الله -عز وجل- في كتابه العزيز : ( وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم ) آية (58) سورة (النحل) .
وقال- تعالى- : (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم ) * آية (31) سورة (الإسراء) .
وقال- تعالى- : ( وإذا الموؤودة سئلت , بأي ذنب قتلت ) * الآيات (8 , 9) سورة (التكوير) .
وقيل :" أن بمكة جبل يقال له : أبو دلامة , كانت قريش تئد فيه البنات. ويقال أيضاً : أن صعصعة جد الفرزدق كان يشتري البنات ويفديهن من القتل , كل بنت بناقتين عَشراوَين وجمل ." (1)
الطيرة : " وكانت العرب تتطير بأشياء كثيرة منها العطاس ؛ وسبب تطيرهم منه أن? دابة يقال لها العاطوس كانوا يكرهونها . وكانوا إذا أرادوا سفرا, خرجوا من الغلس

* الخمر : المسكر الذي يخامر العقل . الميسر : القمار . الأنصاب : الأصنام
الأزلام : قداح الاستقسام .
* إملاق : فقر .
* الموؤودة : الجارية تدفن حية خوف العار والحاجة .
(1) الأبشيهي : المستطرف في كل فن مستظرف , ص378
والطير في أوكارها على الشجر , فيطيرونها , فإذا أخذت يميناً أخذوا يميناً وإن أخذت شمالاً أخذوا شمالاً. وأعظم ما يتطيرون منه الغراب وكانوا يسمونه حاتماً لأنه يحتم عندهم بالفراق ويسمونه الأعور , على جهة التطير إذ كان أصح الطير بصراً ." (1)
الكهانة: فقد كانت سائدة في عصر ما قبل الإسلام حيث أنهم كانوا يلجأون إلى الكهان لمعرفة الشيء الخفي وللتحاكم فيما بينهم . وعندما جاء الإسلام أبطل ذلك كله ونهى عنه. ومما حكي في موضوع الكهانة : " أن أمية بن عبد شمس دعا هاشم بن عبد مناف إلى المفاخرة , فقال له هاشم : أفاخرك على خمسين ناقة سود الحدق تنحر بمكة , فرضي أمية بذلك وجعلا بينهما الخزاعي الكاهن حكماً فخبأا له شيئاً وخرجا إليه , ومعهما جماعة من قومهما , فقالوا : قد خبأنا لك خبيئاً فإن علمته تحاكمنا إليك , وإن لم تعلمه تحاكمنا إلى غيرك فقال : لقد خبأتم لي كيت وكيت ؛ قالوا : صدقت , احكم بين هاشم بن عبد مناف وبين أمية بن عبد شمس , أيهما أشرف بيتاً ونسباً ؛ فقال : والقمر الباهر , والكوكب الزاهر والغمام الماطر , وما بالجو من طائر , وما اهتدى بعلم مسافر , لقد سبق هاشم أمية إلى المآثر, لأمية أواخر , فأخذ هاشم الإبل , ونحرها وأطعمها من حضر , وخرج أمية إلى الشام , وأقام بها عشر سنين .
ويقال : أنها أول عداوة وقعت بين بني هاشم وبني أمية ." (2)

إن أخبار العرب وعاداتهم وقيمهم في عصر ما قبل الإسلام كثيرة جدا .ً وقد حاولت الباحثة من خلال تقديمها لهذه النبذة القصيرة لأبرز قيم العرب وعاداتهم في عصر ما قبل الإسلام أن ترسم للقارئ ولو صورة بسيطة عن طبيعة هذا العصر وما كان يدور فيه .



(1) م . س : ص399 , 400
(2) م . س : ص392



الفصل الثاني
عنترة بن شداد


أولاً : حياته وشعره .

"هو عنترة بن عمرو بن شداد بن عمرو بن قراد بن مخزوم بن عوف بن مالك بن غالب بن قطيعة بن عبس بن بغيض . وقال ابن الكلبي : شداد جده أبو أبيه غلب على اسم أبيه فنسب إليه , وإنما هو عنترة بن عمرو بن شداد وقال غيره : شداد عمه وكان عنترة نشأ في حجره فَنُسِب إليه دون أبيه ". (1) "وعنترة بن شداد من قبيلة عبس إحدى قبائل مضر . وكانت هذه القبيلة في سالفات الأيام تسكن نجداً". (2) "ونشأ عنترة في نجد عبداً يرعى الإبل محتقراً في عين والده وأعمامه ولكنه نشأ شديداً شجاعاً , كريم النفس كثير الوفاء". (3)

"وكان عنترة أسود اللون أخذ السواد عن أمه . وكانت أمه زبيبة , أمة حبشية سوداء سباها أبوه في إحدى غزواته". (4) "وكانت العرب في الجاهلية إذا كان للرجل منهم ولد من أمة استعبده . و لعنترة إخوة من أمه عبيد". (5) "كان يقال لأحدهم حنبل وكان أحبهم إلى عنترة". (6) "وسواد لونه جعله في عداد أغربة العرب في الجاهلية , وكانوا ثلاثة : عنترة وأمه زبيبة ؛ وخفاف بن عمير الشريدي , و أمه ندبة ؛ والسليك بن عمير السعدي , وأمه السلكة , وإليهن كانوا ينسبون ". (7)

(1) الدينوري . أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة : الشعر والشعراء أو طبقات الشعراء , تحقيق د. مفيد قميحة , راجعه وضبط نصه نعيم زرزور , دار الكتب العلمية , بيروت , 1405ه- 1985م , ص149
(2) الزوزني : شرح المعلقات السبع , ص227
(3) فروخ . عمر : تاريخ الأدب العربي , دار العلم للملايين , ط /7 , 1997 , ص207
(4) البستاني . كرم : شرح ديوان عنترة , دار صادر , بيروت , ب.ت , ص5
(5) الدينوري : الشعر والشعراء , ص149
(6) البستاني : شرح ديوان عنترة , ص5
(7) م . س : ص5
"وعشق عنترة عبلة ابنة عمه في صباه , فطلبها من أبيها فأباها عليه , وكان لا يزال عبداً , فحفزه هذا للمعالي والأمجاد يطلبها عن طريق الفروسية والسيف ". (1)
"وفي يوم من الأيام أغار حي من العرب على بني عبس غارة حملوا فيها كل شيء وسبوا عبلة أيضاً . فلما جاءه أبوه يستثيره لخوض الحرب أبى وقال له : "العبد لا يحسن الكر . بل يحسن الحلاب والصر". فقال له أبوه : "كر يا عنترة , وأنت حر". فلحق عنترة بالمغيرين واسترد منهم كل ما سلبوه . ويظهر أن أباه استلحقه بعد هذه الحادثة بنسبه , ولكن عمه مالكاً لم يرض أن يزوجه عبلة". (2)
"وكان عنترة يكنى بأبي المغلس لسيره إلى الغارات في الغلس , وهو ظلمة آخر الليل . وكان يلقب بعنترة الفلحاء لفلحة كانت به , وإنما ذهبوا لتأنيث الشفة . كأنهم قالوا عنترة الشفة الفلحاء". (3)
"وعنترة من فرسان العرب المعدودين , ولم يلقب عن عبث بعنترة الفوارس". (4) "وقد شهد حرب داحس والغبراء فحسن فيها بلاؤه وحمدت مشاهده". (5) "وكان عمرو بن معدي كرب يقول : ما أبالي من لقيت من فرسان العرب ما لم يلقني حراها وعبداها : عنى بالحرين عامر بن الطفيل وعتيبة بن الحارث بن شهاب , والعبدين عنترة وسليك بن السلكة".(6)
"وروى النضر بن عمرو قال : قيل لعنترة : أنت أشجع العرب وأشدها ؟ قال : لا ? قيل : فبماذا شاع لك هذا بين الناس ؟ قال : كنت أقدم , إذا رأيت الإقدام عزماً ,وأحجم ,إذا رأيت الإحجام عزماً , ولا أدخل موضعاً إلا? أرى لي منه مخرجا , وكنت أعتمد الضعيف الجبان , فأضربه الضربة الهائلة يطير لها قلب الشجاع , فأثني عليه ( أي على الشجاع ) فأقتله". (7)
(1) الزوزني : شرح المعلقات السبع , ص227
(2) فروخ : تاريخ الأدب العربي , ص208 الصر : أن يشد ضرع الناقة بخيط لئلا يرضعها ولدها
(3) البستاني : شرح ديوان عنترة , ص5
(4) م . س : ص5
(5) الدينوري : الشعر والشعراء , ص150
(6) البستاني : شرح ديوان عنترة , ص6
(7) م . س : ص6
"وقصة عنترة ملحمة العرب كما أن الإلياذة ملحمة الإغريق القدماء . فالإلياذة مثلا وهي قصة البطولة عند الإغريق , والتي تدور حوادثها حول حرب طروادة , تماثل قصة عنترة من حيث الإغراق , وتشاركها في تمجيد البطولة , وتقدير الفروسية , ووصف التضحية . وإذا كانت المعارك التي تصفها الإلياذة قد أوقدتها هيلانة الجميلة , فإن الغزوات والحروب التي تقصها علينا قصة عنترة , قامت في سبيل عبلة العربية وعينيها الجميلتين".(1)
"ويجمع الرواة على أن عنترة كان من المعمرين وأنه توفي حوالي سنة 615 ميلادية , كما يذكرون في سبب موته رمي وزير بن جابر النبهاني الملقب بالأسد الرهيص له بسهم وهو يغير على بني نبهان من طي فقطع مطاه . وتحامل عنترة حتى أتى قومه وهو يقول :
وإن ابن سلمى عنده فاعلموا دمي وهيهات لا يرجى ابن سلمى ولا دمي ".(2)

أما بالنسبة لشعر عنترة فإن من أكثر الأمور التي كان لها تأثير عظيم في نفسه وشعره نشأته . فقد نشأ في بيت أبيه عبداً يرعى الإبل وقد نبذه أبناء قبيلته واحتقروه وعيروه بأمه وبسواد لونه . إلا? أن ذلك لم يهزه بل كان حافزاً لكي يثبت لهم أنه يتحلى بصفات الأحرار , بل ويتفوق عليهم بكرم أخلاقه , وبيض خصاله التي تغطي على سواد لونه .
وقد قال ابن قتيبة : " كان عنترة من أشد أهل زمانه وأجودهم بما ملكت يده , وكان لا يقول من الشعر إلا? البيتين والثلاثة حتى سابّه رجل من بني عبس , فذكر سواده وسواد أمه وإخوته وعيّره بذلك وبأنه لا يقول الشعر فقال له عنترة : والله إن الناس ليترافدون بالطعمة , فما حضرت مرفد الناس أنت ولا أبوك ولا جدك قط وإن الناس ليدعون في الغارات فيعرفون بتسويمهم (3) فما رأيناك في خيل مغيرة في أوائل الناس قط وأن اللَّبْس ليكون بيننا فما حضرت أنت ولا أبوك ولا جدك خطة فيصل , وإنما أنت فقعٌ نَبَتَ بقَرْقَر (4)

(1) الزوزني : شرح المعلقات السبع , ص226
(2) م . س : ص228
(3) التسويم : من التسوّم , هو أن يتخذ المرء سمة أو علامة يعرف بها .
(4) الفقع : ضرب من أردأ الكمأ , وفقع نبت بقرقر : مثل عند العرب يضرب ليدل على المذلة .
وإني لأحتضر البأس وأوفي المغنم وأعف عن المسألة وأجود بما ملكت يدي وأفصل الخطة الصمعاء . وأما الشعر فستعلم فكان أول ما قال قصيدة :
هل غادر الشعراء من متردم
وهي أجود شعره وكانوا يسمونها المذهبة." (1)

كما أن حبه لعبلة ابنة عمه كان له أعظم الأثر في إلهاب شاعريته فقد قضى حياته يتودد إليها ويحاول استرضاءها بذكر بطولاته , والتغني بكرم أخلاقه .
"فعنترة وإن خلّد عبلة بشعره , وجعلها إحدى عرائس الشعر , فإن عبلة هي التي صيّرت عنترة , بحبها . ذاك البطل المغامر في طلب المعالي , وجعلته يزدان بأجمل الصفات وأرفعها , وهي التي رققت شعره كما رققت عاطفته , ونفحته بتلك العذوبة , وكانت سبب تلك المرارة واللوعة اللتين ربما لم تكونا في شعره لولا حرمانه إياها." (2)

وقيل : أُنشد النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - قول عنترة :
ولقد أبيت على الطوى وأظلّه حتى أنال به كريم المأكل
فقال : ما وصف لي أعرابي قط , فأحببت أن أراه إلاّ عنترة." (3)

"واشتهر عنترة بفنين من فنون الشعر : بالغزل والحماسة . أما غزله فعفيف حلو في بعض الأحيان , خشن في بعضها الآخر . فعنترة لا يجيد تحديث المحبوبة لأنه يحاول أن يجتذبها بذكر وقائعه أمامها وبتخويفها من عواقب ضربه وطعنه . وأما حماسته فهي قسمان : أولاهما حوادثه هو , وهي حوادث مفردة قتل فيها فلاناً أو فلاناً , وثانيهما هجومه في قومه بني عبس على الأعداء." (4)

(1) الدينوري : الشعر والشعراء , ص150
الصمعاء : الماضية النافذة
(3) البستاني : شرح ديوان عنترة , ص9
(4) م . س : ص10
"وقد اختلف الرواة في شعر عنترة , نحله بعضهم أبياتاً ليست له , ونسبوا إليه قصائد لم يقلها , وخصوصاً في القصة . وكما اختلفوا في الديوان فقد اختلفوا في المعلقة وإن كان اختلافهم أخف وأليَن , فالمعلقة لعنترة ما في ذلك شك ولا ريب . إلاّ أن الرواة اختلفوا في تحديد عدد أبيات المعلقة . فابن الزوزني يحددها في 75 بيتاً , وابن الورد في 85 بيتاً , وفي جمهرة أشعار العرب 105 أبيات والمشهور أنها لم تتجاوز الثمانين بيتاً بل هي أقل من هذا الرقم ببيت واحد." (1)

(1) الزوزني : شرح المعلقات السبع , ص230


ثانياً : أبرز القيم العربية التي وردت في معلقة عنترة .

معلقة عنترة من أروع القصائد التي نظمت في عصر ما قبل الإسلام وهي ميمية على البحر الكامل . ذهب فيها الشاعر مذهب غيره من الشعراء القدماء فبدأها بالوقوف على الأطلال ووصف محبوبته ووصف ما يعانيه من لوعة وألم لفراقها , وبعدها عنه , وبعد دارها . ثم انتقل بعد ذلك إلى وصف ناقته ووصف جواده حيث صوره تصويراً جميلاً رفعه فيه إلى درجة الإنسانية , ثم انتقل بعد ذلك إلى ذكر بطولاته ومفاخره التي تغطي ما يعانيه من نقص اجتماعي .
ومن أبرز القيم التي كان يتحلى بها عنترة وتجلت لنا في معلقته :
1- الصدق في الحب ويتضح ذلك من خلال قوله (1) :
ولقد نزلت فلا تظني غيره مني بمنزلة المحب المكرم
فهو هنا يخاطب محبوبته عبلة ويقول لها : اعلمي أنك نزلت من قلبي منزلة من يحب ويكرم فتيقني هذا قطعاً ولا تظني غيره .
2- سهل المخالقة ولكنه لا يقبل الظلم على نفسه حيث يقول (2) :
أثني علي بما علمت فإنني سمح مخالقتي إذا لم أُظلَم
وإذا ظُلِمت فإنّ ظلمي باسل مر مذاقته كطعم العلقم
يقول لمحبوبته : تحدثي بما علمت من محامدي ومناقبي وحُسْن أخلاقي وأثني عليّ فإني سهل المخالقة والمخالطة إذا لم يظلمني أحد ولم يهضم حقي أما إذا ظُلِمت فإنني أرد على من ظلمني بظلم مر يكرهه كما يكره طعم العلقم من ذاقه .


(1) الزوزني : شرح المعلقات السبع , ص236
(2) م . س : ص246
المخالقة : مفاعلة من الخُلق .
باسل : كريه , ورجل باسل شجاع , والبسالة الشجاعة .


3- الكرم والجود ويتضح هذا في قوله (1) :
فإذا شربت فإنني مستهلك مالي , وعِرضي وافر لم يكلّم
وإذا صحوت فما أقصر عن ندى وكما علمت شمائلي وتكرمي
يبين هنا أن سكره وشربه الخمر يدل على كرمه وجوده فهو يهلك ماله بذلك إلا?أنه في الوقت نفسه لا يشين عِرضه فيكون بذلك تام العِرض مهلك المال لا يكلم عرضه عيب عائب . ثم يقول : وإذا صحوت من سكري لم أقصر عن جودي , بل يفارقني السكر ولا يفارقني الجود .
4- العفة والترفع عن اغتنام الأموال حيث يقول (2) :
هلا? سألت الخيل يا ابنة مالك إن كنت جاهلةً بما لم تعلمي
يخبرك من شهد الوقيعة أنني أغشى الوغى وأعف عند المغنم
يقول لمحبوبته عبلة : هلا?سألت الخيل والفرسان عن حالي في قتالي إن كنت جاهلة بها ؟ فإنه سيقول لك ويخبرك كل من حضر الحرب : بأني كريم عالي الهمة آتي الحروب وأعف عن اغتنام الأموال .
5- الشجاعة حيث يقول (3) :
ومدججٍ كره الكماة نزاله لا ممعن هرباً ولا مستسلم
جادت له كفي بعاجل طعنة بمثقف صَدْق الكعوب مقوَّم
فشككت بالرمح الأصم ثيابه ليس الكريم على القنا بمحرَّم
فتركته جزر السباع يَنُشنَهُ يقضمن حُسْن بنانه والمعصم
يقول : رب رجل تام السلاح كانت الأبطال تكره نزاله وقتاله لفرط بأسه لا يسرع في الهرب ولا يستسلم إذا اشتدّ بأس عدوه طعنته برمحي الصلب طعنة عاجلة أنفذت الرمح في

(1) م . س : ص247 ندى : كرم
(2) م . س : ص248-249
الوَقعة والوَقيعة : اسمان من أسماء الحروب , والجمع الوَقعات والوَقائع
الوغى : أصوات أهل الحرب ثم استعير للحرب
(3) م . س : ص249-250 صَدق : صلب الجزر : جمع جزرة وهي الشاة أعدت للذبح
جسمه وثيابه فليس الكريم على القنا بمحرم بل إن الرماح مولعة بالكرام لحرصهم على الإقدام كما أن كرمه لا يخلصه من القتل المقدر له . ثم تركه بعد ذلك للسباع تتناوله , وتأكل بمقدم أسنانها بنانه الحسن ومعصمه الحسن. أي جعله طُعمة للسباع كما يكون الجزر طُعمة للناس .
6- الوفاء لأهله حيث يقول (1) :
ولقد حفظت وصاة عمي بالضحى إذ تقلص الشفتان عن وضح الفم
بين أنه حفظ وصية عمه له باقتحامه القتال ومناجزته الأبطال في أشد أحوال الحرب وهي حال تقلص الشفاه عن الأسنان من شدة القتال .
7- الإقدام والبطولة في المعارك حيث يقول (2) :
إذ يتقون بي الأسنّة لم أخِم عنها ولكني تضايق مُقدمي
لما رأيت القوم أقبل جمعهم يتذامرون كررت غير مذّمم
يدعون عنتر والرماح كأنها أشطان بئر في لبان الأدهم
ما زلت أرميهم بثُغْرة نحره ولبانه حتى تسربل بالدم
يقول : عندما جعلني أصحابي في المقدمة واتخذوني حاجزا بينهم وبين أسنّة الأعداء لم أجبن ولكن تضايق موضع إقدامي فتعذر التقدم فتأخرت لذلك, وعندما رأيت الأعداء قد أقبلوا نحونا يحض بعضهم بعضاً على قتالنا قاتلتهم قتالاً محموداً غير مذموم .وقد كانوا يدعونني في حالة إصابة رماح الأعداء صدر فرسي ودخولها فيه ولكني لم أزل أرمي الأعداء حتى عمت الجروح جسد فرسي وتلطخ بالدم حتى صار له الدم بمنزلة السربال , أي عم جسده عموم السربال جسد لابسه .


(1) م . س : ص254
وضح الفم : الأسنان
القلوص : التشنج والقصر
(2) م . س : ص254-255
الخيم : الجبن

8- الرقة والشعور ويتضح ذلك من قوله (1) :
فازور? من وقع القنا بلبانه وشكا إليّ بعَبرة وتحمحم
لو كان يدري ما المحاورة اشتكى ولكان لو علم الكلام مكلمي
يظهر هنا عطف عنترة على فرسه الذي مال من كثرة ما أصابه من رماح الأعداء وشكا إلى صاحبه بعبرته وتحمحمه ثم تفاعله مع جواده وشعوره به حيث يبين أنه لو قدر على الكلام لشكا إلى صاحبه مما أصابه من الجراح .
9- النجدة والمروءة حيث يقول (2) :
ولقد شفا نفسي وأذهب سُقمها قيل الفوارس ويك عنتر أقدم
هنا يقول : لقد شفا نفسي وأذهب غمها مناداة الفرسان وأصحابي لي والتجائهم إلي لنجدتهم .
10- الدفاع عن العِرض ويتضح ذلك من قوله (3) :
ولقد خشيت بأن أموت ولم تدر للحرب دائرة على ابني ضمضم
الشاتمي عرضي ولم أشتمهما والناذرين إذا لم ألقهما دمي
يقول : أخاف أن أموت ولم تدر الحرب على ابني ضمضم وهما حصين وهرم . اللذان يشتمان عرضي ولم أشتمهما والموجبان سفك دمي إذا لم أرهما .


(1) م . س : ص255-256
الازورار : الميل التحمحم : من صهيل الفرس ما كان فيه شبه الحنين ليرق صاحبه له .
(2) م . س : ص256
(3) م . س : ص257
الدائرة : اسم للحادثة , سميت بها لأنها تدور من خير إلى شر ومن شر إلى خير , ثم استعملت في المكروهة دون المحبوبة .
"وقد لخص طه حسين صفات عنترة بقوله :"في عنترة معنى الرجولة العربية الكاملة , فهو رقيق دون أن تنتهي به الرقة إلى الضعف , وهو شديد دون أن تنتهي به الشدة إلى العنف , وهو صاحب شراب دون أن ينتهي به السكر إلى ما يفسد الخُلق والمروءة , وهو صاحب صحو دون أن ينتهي به الصحو إلى التقصير عما ينبغي للرجل الكريم من العطاء والندى , وهو مقدام إذا كانت الحرب , وهو عفيف إذا قسمت الغنائم . ثم قال طه حسين بعد ذلك : وهو ( يعني عنترة ) يحاول أن يصف من أخلاقه ما يشرف به الرجل العربي الكريم . فيذكر هذه الخصال التي أشرت إليها , ثم يحس كأنه لم يحظ بخلاله كلها , وأخلاقه كلها , فيقول هذا الشطر الرائع : وكما علمت شمائلي وتكرمي ." (1)

(1) حسين : طه , حديث الأربعاء , جزء /1 , دار المعارف , ط /14 , 1925 , ص151


ثالثاً : الخصائص الفنية العامة في المعلقة .

1- تخلو المعلقة من الفكر المتسلسل والبناء المترابط .
2- أسلوب عنترة يقترب من أسلوب الملاحم إلا? أنه في الوقت نفسه ممزوج بالعاطفة التي تلينه وتصبغه بصبغة غنائية في مواطن كثيرة .
3- ألفاظه شديدة التأثير ولغته سهلة صافية التراكيب .
4- يحمل إلينا في شعره كثيراً من المعلومات التاريخية فهو يعتمد الوقائع التاريخية أساساً لانطلاقه .
5- يزين قصصه بالصور والألوان التي تتوالى على السمع والبصر في إيجاز بعيد عن التفصيل .
6- شعره مليء بالتشبيهات ومنها التشبيهات المادية ومن ذلك أن ظلمه مر كطعم العلقم .
7- يعمد إلى استخدام أسلوب التشخيص في شعره فيبث الحياة في صوره , فنراه يشخص فرسه حيث يقول:
فازور من وقع القنا بلبانه وشكا إلي بعبرة وتحمحم
8- في القصيدة طائفة من الأنغام الموسيقية المختلفة فيما بينها إلا? أن فيها نغمة واحدة متصلة منذ بداية القصيدة إلى نهايتها وهذه النغمة هي التي تكوّن وحدة القصيدة وهي حديث الشاعر إلى محبوبته واستحضار صورتها في نفسه .


خاتمة
الحمد لله الذي هداني لهذا وما كنت لأهتدي لولا أن هداني الله . أما بعد :
فقد أرادت الباحثة من خلال اختيارها لموضوع القيم في عصر ما قبل الإسلام أن تبرز ما كان يتحلى به الإنسان العربي من قيم ومكارم أخلاق . فيكون حري بنا ونحن مسلمون أن نتمسك في حياتنا بهذه القيم التي أشاد بها الإسلام ودعانا إلى التحلي بها .
فكان موضوع البحث في فصلين :
تحدثت الباحثة في الفصل الأول عن بدايات العصر الجاهلي , وعن طبيعة حياة الناس الاجتماعية والاقتصادية والدينية , كما تحدثت عن دور المرأة في هذا العصر وقد أوجزت في ذلك , كما تطرقت إلى تسمية هذا العصر , وأخيراً تناولت الباحثة أبرز القيم والعادات السائدة فيه .
أما في الفصل الثاني فقد تحدثت الباحثة عن عنترة بن شداد , عن حياته وشعره , وعن أبرز القيم التي كان يتحلى بها كالشجاعة والكرم والعفة وغيرها من القيم التي تجلت لنا من خلال معلقته . فهذا الفارس ينطبق عليه قول الشاعر :
ليس الفتى من قال : كان أبي إنّ الفتى من قال ها أنذا
ثم انتهت الباحثة إلى ذكر الخصائص الفنية العامة التي برزت في المعلقة . وفي الختام ترجو الباحثة أن تكون قد قدمت في بحثها هذا ما يفيد الناس. والله ولي التوفيق .




قائمة المصادر والمراجع

- القرآن الكريم
- الأبشيهي . بهاء الدين أبي الفتح محمد بن أحمد : المستطرف في كل فن مستظرف ,تحقيق إبراهيم صالح , دار صادر , بيروت , المجلد الثاني , الطبعة الأولى , 1999
- د.أنيس . إبراهيم وزملاؤه : المعجم الوسيط , الجزء الأول , الطبعة الثانية , د.ت
- البستاني . كرم : شرح ديوان عنترة , دار صادر , بيروت , د.ت
- الجاحظ . أبو عثمان عمرو بن بحر : الحيوان , تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون , المجلد الأول , دار الكتاب العربي , بيروت , الطبعة الثالثة , 1388ه- 1969م
- حسين . طه : حديث الأربعاء , الجزء الأول , دار المعارف , مصر , الطبعة الرابعة عشر , 1925
- الدينوري . أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة : الشعر والشعراء أو طبقات الشعراء , تحقيق د.مفيد قميحة , مراجعة وضبط نعيم زرزور , دار الكتب العلمية , بيروت , 1405ه- 1985م
- الزوزني . أبو عبد الله الحسين : شرح المعلقات السبع , دار مكتبة الحياة , بيروت , د.ت
- د.سالم . السيد عبد العزيز : تاريخ العرب في عصر الجاهلية , دار النهضة العربية , بيروت , 1971
- ضيف . شوقي : العصر الجاهلي , دار المعارف , مصر , الطبعة السابعة , 1960
- عبد الباقي . محمد فؤاد : المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم , دار الحديث , القاهرة , 1998
- الفاخوري . حنا : تاريخ الأدب العربي , دار الجيل , بيروت , الطبعة الثالثة
- فروخ . عمر : تاريخ الأدب العربي , دار العلم للملايين , الطبعة السابعة , 1997
 


قائمة المحتويات
الموضوع رقم الصفحة


الإهداء . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ا
الشكر والتقدير . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ب
قائمة المحتويات . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ج
مقدمة . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . د


الفصل الأول : منظومة القيم في عصر ما قبل الإسلام


أولا : العصر الجاهلي بداياته ومواصفاته . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 1
ثانيا : تسميته . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 6
ثالثا : أبرز القيم والعادات التي سادت في عصر ما قبل الإسلام . . . . . 8


الفصل الثاني : عنترة بن شداد


أولا : حياته وشعره . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 12
ثانيا : أبرز القيم العربية التي وردت في المعلقة . . . . . . . . . . . . . . . . . . 17
ثالثا : الخصائص الفنية العامة في المعلقة . . . . . . . . . . . . . . . .. . . . . . 22

خاتمة . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 23
قائمة المصادر والمراجع . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 24